ابن سيده
34
المحكم والمحيط الأعظم
على النَّبيثة التي هي كُناسة البئر ، وهيهاتَ الأَرْوِىُّ من النعامِ الأرْبد « 1 » ، وأينَ سُهَيلٌ من الفَرْقَد « 2 » ؟ النَّبيثة من « ن ب ث » ، وتستبيث من « ب وث » أو « ب ى ث » يقال : بُثْت الشئ بَوْثا ، وَبِثْتُه بَيْثا : إذا استخرجته . ومن قوله : صدَرْت عن البلاد صَدَرًا : هو الاسم ، فإن أردت المصدر جزمْت الدال ؛ فهل أوحشُ من هذه العبارة ، أو أفحش من هذه الإشارة ؟ وهل أدلّ على قلَّة التفصيل ، والبُعد عن التحصيل ، والجهل بالتنتيج والتلقيح ، وجودة الانتقاد والتنقيح ، من قول أبى عبد اللّه بن الأعرابىِّ ، في كتابه الموسوم بالنوادر : العدوّ : يكون للذكر والأنثى بغير هاء . والجمع أعداء ، وأعادٍ ، وعُداة ، وعِدًى ، وعُدًى ، فأوهم أن هذا كله جمع لشئ واحد . وإنما أعدَاء : جمع عدوٌ ، أجروه مُجْرى فعيل صفة ، كشريف وأشراف ، ونصير وأنصار ، لأن فَعولًا وفَعيلا متساويتان في العِدَّة ، والحَرَكة والسُّكون ، وكون حرف اللين ثالثا فيهما ، إلا بحسب اختلاف حَرْفَى اللِّين ، وذلك لا يوجب اختلافًا في الحكم هنا ، ألا تراهم سَوَّوْا بين نَوَارٍ وصَبور في الجمع ، فقالوا : نُوُرٌ وصُبُر ؟ وقد كان يجب أن يكَسَّر عَدُوّ على ما كُسِّر عليه صَبور ، لكنهم لو فعلوا ذلك لأجحفوا ، إذ لو كسَّروه على « فُعُل » ، للزمَ عُدُوٌ . ثم لزم إسكان الواو ، كراهية الحركة عليها ، فإذا سكنت وبعدها التنوين ، التقى ساكنان ، فحذفت الواو ، فقيل عُدٌ ، وليس في الكلام اسم آخره واو قبلها ضمة ، فإن أدّى إلى ذلك قياسٌ رُفِض ، فقلبت الضمة كسرة ، ولزم لذلك انقلاب الواو ياء ، فقيل « عُدٍ » ، فتنكَّبتِ العرب ذلك في كلّ « 3 » معتلّ اللام ، على فَعُول ، أو فَعِيل ، أو فِعال ، أو فَعال ، على ما قد أحكمتْه صناعةُ الإعراب . وأما أعادٍ فجمع الجمع ، كَسَّروا عَدُوّا على أعداء ، ثم كَسَّروا أعداءً على أعادٍ ، وأصله أعادىُّ ، كأنعام وأناعيم ، لأن حرف اللين إذا ثبت رابعًا في الواحد ، ثبت في الجميع ، وكان ياء ، إلا أن يُضْطَرّ إليه شاعر ، كقوله ، أنشده سيبويه : * والبَكَرَاتِ الفُسَّجَ الْعَطامِسا * « 4 » ولكنهم قالوا : أعادٍ كراهِية الياءين مع الكسرة ، كما حَكى سيبويه في جمع مِعطاءٍ
--> ( 1 ) الرُّبْدَة والرُّبْد في النعام سواد مختلط ظليم أربدُ . ( 2 ) الفرقدان : نجمان في السماء لا يغربان ، وربما قالت العرب لهما فرقد . ( 3 ) في بعض النسخ : في كل بناء . ( 4 ) الرجز لغيلان بن حريث الربعي في الكتاب ( 3 / 445 ) ؛ وبلا نسبة في الخصائص ( ظبظب ) ، ( فسج ) ، -